هل تتابع مؤثراً صحياً على تيك توك أو إنستاجرام؟ الأبحاث تكشف كيف تتحول المتابعة البريئة إلى ديناميكية شبه طائفية، وما العلامات التحذيرية التي يجب أن تعرفها.
في البداية لا يبدو الأمر طائفةً على الإطلاق. إنه مجرد حساب على إنستغرام أو تيك توك، يقدّم نصائح عن الأكل، أو التطهير، أو “شفاء الجسد بالطبيعة”. لكن ما يبدأ كنصيحة صحية قد يتحول، ببطء وبلا ضجيج، إلى عالم مغلق: لغة خاصة، أعداء مفترضون، حقيقة واحدة، وقائد يبدو أنه يعرف ما لا يعرفه الآخرون. هذا التحول لا يحدث في خطوة واحدة، بل عبر مراحل نفسية واجتماعية موثّقة في أبحاث الطوائف والسيطرة القسرية.
بداية المتابعة
خطر متصاعد
دراسة نُشرت في Frontiers in Psychiatry عام 2023 واستندت إلى مقابلات معمّقة مع 11 عضواً سابقاً في طوائف سويدية [1]، تصف الطائفة بأنها بيئة مغلقة تستخدم التحكم القسري (Coercive Control)، وتُعيد تشكيل هوية الفرد وانتماءه ومعناه. ما يُميّز هذه الدراسة أنها استخدمت أداة التقييم الثقافي للـ DSM-5 (دليل التشخيص النفسي) لفهم تجربة الخروج من الطائفة — وهو منهج نادر في هذا الميدان.
وتوضح الدراسة ذاتها أن مغادرة هذه البيئة لا تعني التحرر فوراً، بل الدخول في مرحلة “بين بين”: لا يعود الفرد جزءاً من الجماعة القديمة، لكنه لم يبنِ بعدُ هوية أو معنى جديدين مستقرين [1]. في هذه المرحلة يظهر الارتباك، وفقدان الثقة، والحاجة إلى إعادة بناء الذات والروابط الاجتماعية. وصف أحد المشاركين في الدراسة هذه المرحلة بقوله: “الأعوام التي أعقبت مغادرتي كانت كمن يعيش في صدمة — أحاول فقط أن أُثبت قدرتي على الاستمرار.”
هذا مهم لأن الطائفة لا تعتمد فقط على العقيدة، بل على البنية الاجتماعية: العزلة عن الخارج، الضغط الجماعي، وإضعاف ثقة الفرد في مصادره الأخرى. عندما يختفي البديل، يصبح القائد أو الجماعة هي المرجع الوحيد، وهنا تبدأ الطاعة في أخذ شكل “الانتماء”.
📋 لقطة الدراسة
الأشخاص لا يدخلون الطوائف لأنهم “يُحبون الانغلاق”، بل لأنهم كثيراً ما يكونون في حالة هشاشة أو بحث عن معنى. أبحاث الطوائف تُبيّن أن الانضمام يرتبط بالارتباك، والحاجة إلى اليقين، والبحث عن جماعة تمنح هوية واضحة [1]. وفي مرحلة ما بعد الخروج، يصف المشاركون شعوراً بفقدان العالم القديم قبل امتلاك عالم جديد — وهو ما يجعل إعادة بناء الذات أمراً شاقاً.
هذا النمط يُفسّر أيضاً جاذبية بعض المؤثرين الصحيين. فالمتابع لا يشتري معلومةً فقط؛ بل يشتري إحساساً بالوضوح. والمؤثر الناجح غالباً لا يقول “أنا أُقدّم احتمالاً”، بل يقول “أنا أُقدّم الحقيقة”. هذه اللغة الحاسمة، مع الحميمية اليومية، تجعل العلاقة أشبه بعلاقة قائد وجماعة منها بعلاقة مذيع وجمهور.
دراسة نُشرت في BMC Public Health عام 2024 [3] تُبيّن أن تأثير المؤثرين الصحيين على الصحة العامة مزدوج: فقد يُشجّعون سلوكيات مفيدة، لكنهم قد يُطبّعون أيضاً رسائل صحية مضللة أو مُبسّطة أكثر من اللازم. والأهم أن المؤثرين غالباً ما يستخدمون أسلوباً شخصياً وحوارياً يُساعدهم على بناء علاقة قريبة مع المتابعين — ما يجعل رسائلهم تبدو أكثر ألفةً وإقناعاً من المصادر الطبية الرسمية.
ومراجعة منهجية واسعة حول المعلومات الطبية المضللة على وسائل التواصل [5] تُوضح أن هذا المحتوى يُنتشر في بيئة رقمية مصممة لتعظيم التفاعل، حيث تميل المنصات إلى تفضيل المحتوى المثير أو المختصر أو التجاري. والأهم أن المحتوى الخطر ليس دائماً كذباً صريحاً: أحياناً يكون معلومةً ناقصة، أو تجربةً شخصية مُعمَّمة، أو مبالغةً تسويقية.
هنا تظهر ظاهرة العلاقات شبه الاجتماعية (Parasocial Relationships). مراجعتان علميتان محكّمتان [6، 7] تصفان كيف يمكن للمستخدم أن يشعر بأنه يعرف المؤثر معرفةً شخصية، رغم أن العلاقة في اتجاه واحد كلياً. هذه العلاقة قد تمنح بعض الدعم والشعور بالرفقة، لكنها أيضاً تجعل المتابع أكثر عُرضةً للتأثر والتقليد والقبول غير النقدي.
من منظور علم النفس العصبي، وسائل التواصل ليست محايدة. مراجعات علمية محكّمة حول الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل [9] تُشير إلى صلة بين الاستخدام القهري وآليات المكافأة والانتباه والتنظيم الانفعالي في الدماغ. التصميم نفسه — الإشعارات، السحب اللانهائي، التفاعل السريع — يُعزّز التعلم القائم على المكافأة ويزيد التعلق بالمحتوى والشخصية التي تُقدّمه.
هذا يُفسّر لماذا يصبح المتابع مرتبطاً بالمؤثر أكثر فأكثر: كل إعجاب أو رد أو ذكر بالاسم يعمل كدفعة اجتماعية صغيرة. ومع التكرار، يتحول التفاعل إلى عادة، ثم إلى احتياج، ثم إلى جزء من الهوية. وهذا لا يعني أن الفرد “ضعيف” — بل يعني أن التصميم يعمل بدقة على الجهاز العصبي البشري.
تبدأ الديناميكية الطائفية عندما يَظهر المؤثر كمن يملك الحقيقة المطلقة، ويصبح الشك فيه شكاً في الجماعة كلها. دراسة Hadding et al. [1] تُبيّن أن العزل، والهيمنة على المعنى، وإضعاف الثقة بالمصادر الخارجية هي من السمات المركزية في البيئات الطائفية — وكلها قابلة للظهور في بيئة المؤثرين الصحيين الرقمية.
⚠️ علامات التحذير
مراجعة منهجية شاملة نُشرت في Journal of Medical Internet Research [4] تؤكد أن المنصات أصبحت ساحةً مركزية للبحث عن المعلومات الصحية، لا هامشاً لها — وهذا يعني أن المؤثرين الصحيين ليسوا ظاهرة جانبية، بل هم جزء من البنية التي يتشكّل عبرها الفهم الشعبي للمرض والشفاء والشك في الطب.
أما في السياق العربي تحديداً، فإن ارتفاع معدلات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في مصر والسعودية والمنطقة يجعل هذه الديناميكية أكثر حضوراً. بيئة المحتوى الصحي العربي تفتقر إلى قدر كافٍ من التحقق المستقل، مما يُوسّع المساحة أمام المؤثرين الذين يُقدّمون اليقين بلغة دينية أو تقليدية مألوفة. ومراجعة واسعة حول التدخلات ضد المعلومات المضللة [2] وجدت أن أغلب التدخلات الحالية تركز على التثقيف والتصحيح، لكن الحماية التنظيمية ما زالت غير كافية أمام سرعة الانتشار والضغط التجاري.
لا يعني ذلك أن كل مؤثر صحي خطير. فبعضهم يُساهم فعلاً في نشر الوعي وتبسيط المفاهيم وتشجيع سلوكيات صحية أفضل — وهذا ما تُقرّه الدراسات [3، 8]. لكن السؤال الجوهري لم يعد: هل هذا المحتوى صحي أم لا؟ بل أصبح: هل هذا المحتوى يُعلّم أم يستقطب؟
الفارق يكمن في ما إذا كان المؤثر يمنحك أدوات التفكير المستقل، أم يُضعّفها. يشجّعك على التحقق والسؤال، أم يجعل التساؤل يبدو كنوع من الخيانة للجماعة.
🔬
لا. كثير من المؤثرين الصحيين يُساهمون في نشر الوعي وتشجيع سلوكيات مفيدة [3، 8]. الخطر يظهر حين يتحول المؤثر إلى مرجع مغلق يرفض النقد ويضعف استقلالية متابعيه الفكرية.
نعم، بعض الاختلافات جوهرية. الإطار الديني والتقليدي في المنطقة قد يُضفي مصداقية إضافية على بعض المؤثرين. كما أن ضعف البنية التنظيمية لمحتوى الصحة الرقمي في المنطقة العربية يُوسّع هامش التأثير غير الخاضع للمساءلة.
العلاقة الطبيعية تبادلية — كلا الطرفين يعرف الآخر ويتأثر به. العلاقة شبه الاجتماعية في اتجاه واحد: أنت تعرف المؤثر، لكنه لا يعرفك. هذا الفارق يُجعل الإنسان أكثر عُرضةً لقبول رسائله دون تمحيص [6، 7].